الموضوع: محمود درويش
عرض مشاركة واحدة
قديم 08-25-2012, 06:01 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
نور

الصورة الرمزية نور

إحصائية العضو







نور غير متواجد حالياً

 

افتراضي رد: محمود درويش

محمود درويش في رحلته الأخيرة إلى فلسطين: صفّوا على نعشي سبع سنابل خضراء ... أدونيس: أحب أن أبكي

(أدونيس)
بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش.
الأول أسنده إليه الفلسطينيون والعرب لكي يُطفئ الجحيم بماء الفراديس. جعلوا منه مَطْهَراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجأون إليه لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر.
وهو عبء احتضنه، وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرَنَ فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفي ذلك صارع العبءَ الآخرَ، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك.
كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت الى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة. وحيثما اغتربَ، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى، وسماء أخرى.
لكن ماذا تقول لك الكتابة حين تنهار فوق صدرك ذروةٌ من ذرواتها؟ خصوصاً ان محمود درويش لم يكن، بالنسبة إليّ، مجرّد صديق. كان أخاً قريباً، وشريكاً حميماً في الحياة التي جمعتنا في بيروت، قبل الحصار، وفي أثنائه، وبعده في باريس. كنّا في هذه المدينة الفريدة نبني جسور الشعر ونربط الأفق بالأفق.
وكنا في بيروت نفتح لغاتنا على الرياح الأربع. وفي بهاء الصداقة كنا نحتفل – في بيتنا، كل سنة، باليوم الذي ولد فيه مع نينار التي ولدت في اليوم نفسه: 13 آذار.
كان يأخذها بين ذراعيه، فتقول له بطفولتها الشاعرة: «أنت كبير، وأنا صغيرة. شو استفدنا؟».
مع ذلك، فيما بعد، في غلواء الصداقة، والتباس علاقاتها، باعَدَت بيننا الحياة. غير ان الخيط الذي يصل الضوء بالضوء لم ينقطع بيننا ابداً.
الآن، أحب أن أبكي.
محمود درويش "في حضرة الغياب"
محمود درويش في صورة من عام 2007 في بيروت. جمانة حداديعود الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الى وكر النسور في الجليل، لينضمّ الى الأرض التي جعلها أرضاً ليس للبطولة فحسب ولكن خصوصاً لكل شعر حقيقي عظيم.
قبل ساعات قليلة كان محمود لا يزال في قلب المحنة الخطيرة، يواجه وضعا صحياً بالغ الحرج، ويخضع للتنفس الاصطناعي في أحد مستشفيات هيوستن، تكساس، بعدما أخضع في 6 آب الجاري لعملية جراحية معقدة في القلب تولاها الجراح العراقي حازم صافي، وتضمنت اصلاح ما يقارب 26 سنتيمترا من الشريان الابهر الذي تعرّض أخيراً لتوسع شديد وخطر.
وقد سبق ان اجريت وهي التي كتب على أثرها "جداريته" الشهيرة. لكن القلب الذي ظل وفياً للشاعر، على رغم عطبه الجليل، حاملاً معه أعباء الشعر والأرض والتاريخ، لم يستطع أن يكمل المسيرة، فدخل في عطب الغيبوبة العظيمة، تاركاً الشاعر وحيداً "في حضرة الغياب".
ها قلبكَ، يا محمود، كان، قبل قليل، يرفرف فوق الحافة المهيبة من جديد، وكنا نسأل أن لا تأخذه الحافة الى الأبعد منها.
فقد علّمنا قلبكَ، يا محمود، أنه لم يكن غريباً على أطوار الحافة وأمزجتها. فهي، كالأقدار، كالأرض، كالشعر، كانت ملعبه الأثير. حفظ قلبكَ فخاخها وفجواتها ومطباتها، غيباً، وعن ظهر قلب، كما تُحفَظ القصائد، وكما تُحفَظ الأرض، فلم يخطئ حدودها يوماً، ولم تدوّخه يوماً سكرة هوتها العظيمة. وقد ظل قلبك يتلاعب بالحافة، وتتلاعب به الحافة، الى أن أخذته، أمس، اليها.
قبل قليل، كنا نقول إن القلب إذا كان مثل قلبكَ، لا بدّ يعرفها، هذه الحافة، جيداً. وكنا نقول، ودائماً قبل قليل، إن القلب الذي مثل قلبكَ، يعرف جيداً، أنها الحافة الصعبة، الحرون، الكاسرة، المغوية، والتي ليس من حافات بعدها. وكنا نقول، إن قلبكَ، شأنكَ، شأن شعركَ، وشعبكَ، مرصودٌ لمثل هذه المناطق المحفوفة التي تشبه طعم المستحيل. لكنكَ، كالنسور المحلّقات، كالقصائد المحلّقة، كالفينيق، كنتَ، حتى قبل قليل، إذا نزلتَ في وادٍ، فشأنكَ أن لا تتحطم، أو تحترق، أو تسقط في عدم. وكنا نقول، شأنكَ فقط أن تعرف طريق الرجوع. وكنا نقول، أنتَ لا بدّ راجعٌ الى شعركَ، على طريق الراجعين. وكنا نقول سترجع. لا مفرّ.
كنا نقول إن القلب، قلبكَ، يعرف هذا كلّه. ويعرف قَدَره جيداً. وكان قَدَره يقول له أن يكمل الطريق، لا أن يخون.
لكن القلب الذي اختبرك طويلاً أيها الشاعر الكبير، عاد لا يستطيع أن يظل يختبر. كنتَ، أيها الشاعر، حتى قبل القليل القليل من الوقت، لا تبخل على القلب بالاختبار. كنتَ تداويه بما يليق بكَ وبه، ليعود اليكَ والى شعركَ وشعبك. وكنتَ تنده هذا القلب، بأسراره بألغازه بكلماته، فيعرف حدوده معك، ويصعد دائماً من هاوية الى حيث تقيم النسور. وقبل قليل كنا نسألك أن تنادي قلبكَ هذا على الفور. وقبل قليل كنا نلحّ عليكَ أن تناديه الآن، وأن لا ترجئ الى غد. وأن تزجره، وأن تزلزله، وأن تهزّه من تعب، وأن تبلسمه بشعرك، ليعرف القلب حينئذ ماذا ينبغي له أن يفعل. وكنا نقول: هو لا بدّ فاعلٌ. وكنا نقول: سيفعل.
لبنان منذ ساعات قليلة كان كلّه يناديكَ، يا محمود، لا أنا وحدي. شعراؤه، كتّابه، أهله، كانوا يسألونكَ أن تخاطب القلب الجريح باللغة التي يفهمها هذا القلب الجريح. وكنا نقول حتى قبل قليل، إن الوقت هو الآن وقت اللغة، أيها الشاعر، لا وقت الأطباء فقط. وكنا نسألك أن تنادي قلبكَ باللهجة التي لا يتقنها سوى الشعر. ومَن مثلكَ، كان يعرف ما به هذا القلب. وكيف يعود ليخفق في صدركَ، في شعركَ، مثلما يخفق ضمير الأرض في شعب فلسطين.
شعراء لبنان، كتّابه، وأهله، كانوا حتى قبل القليل القليل من الوقت، يسألون قلبكَ الشفاء، وكنا نسألك أن ترسل الى قلبكَ نداءنا اليه، مشفوعاً بالرجاء، بل بالحب الكبير.
لكننا، مثلك الآن، نفهم ماذا يعني أن يخرج القلب على الحافة ولا يعود يعرف الطريق اليك.
لا بدّ أن القلب طار، كما العصافير، كما النسور، لينضمّ الى وكر النسور في أرض الجليل.









آخر مواضيعي 0 أنا أَيضاً يوجعنى الغياب
0 ﺃﻋﺪُﻙ !
0 ذاكرة الجسد...عابر سرير ...لاحلام مستغانمي
0 أنا وانتي.. حكاية بريئة
0 إنيِّ طرقتُ البابَ ياربّ
رد مع اقتباس